في شارع ريسلوفا (Resslova) بوسط براغ تقف كاتدرائية القديسين كيرلس وميثوديوس، وهي كنيسة أرثوذكسية من العصر الباروكي ارتبط اسمها بإحدى أكثر لحظات المقاومة التشيكوسلوفاكية مأساوية خلال الاحتلال النازي. ففي سردابها لجأ سبعة مظليين من قوات المقاومة، وانتهت مطاردتهم بمعركة 18 يونيو 1942. اليوم يمكن زيارة النصب التذكاري والمعرض التاريخي في السرداب مجانًا، إلى جانب التعرف إلى الكاتدرائية بوصفها مبنى دينيًا حيًا لا متحفًا فحسب.
أهم تمييز قبل الذهاب: الكاتدرائية نفسها تديرها الكنيسة الأرثوذكسية، بينما النصب الوطني لأبطال مقاومة إرهاب هايدريش الموجود في سردابها يديره المعهد التاريخي العسكري في براغ. يقع الاثنان في العنوان نفسه، لكن مواعيد الدخول إليهما وتنظيم الزيارة ليست متطابقة.
لماذا تستحق الكاتدرائية الزيارة؟ وما الذي ستراه؟
ليست قيمة المكان في عمارته وحدها، وإن كانت واجهته الباروكية ومنحوتاته تستحق التأمل. ما يميّزه هو اجتماع ثلاثة مستويات من التاريخ في موقع واحد: كنيسة من القرن الثامن عشر، ومأوى للمقاومة في الحرب العالمية الثانية، ونصب تذكاري يحافظ على أسماء من قاوموا ومن ساعدوهم ودفعوا الثمن.
- الواجهة الخارجية ونافذة التهوية المنخفضة: قرب النافذة المطلة على السرداب توجد آثار طلقات ولوحة تذكارية. هذه ليست آثارًا صُنعت للزينة؛ إنها متصلة بأحداث الهجوم على المبنى عام 1942.
- المعرض التاريخي: يبدأ في الغرفة السابقة للسرداب، ويعرض قصة الاحتلال وإعداد عملية «أنثروبويد» والعمليات القمعية التي تلتها، مع مقتنيات تاريخية ومواد سمعية وبصرية.
- السرداب: مساحة تذكارية هادئة تضم تماثيل نصفية للمقاتلين السبعة وسيرهم؛ هنا يصبح الحدث الذي قرأت عنه مرتبطًا بمكان مادي محدد.
- فضاء الكنيسة: إن كانت الزيارة متاحة، ستجد داخلها زخرفة باروكية وإيقونسطاسًا أرثوذكسيًا يوضح تحوّل المبنى عبر الزمن.
كيف أصبحت كنيسة باروكية كاتدرائية أرثوذكسية؟
شُيّد المبنى الحالي بين عامي 1730 و1736 وفق تصميم ارتبط بالمعماريَّين كيليان إغناتس دينتسنهوفر (Kilián Ignác Dientzenhofer) وباول إغناتس باير (Paul Ignác Bayer). وكان في الأصل كنيسة كاثوليكية مكرّسة للقديس كارلو بوروميو، ولهذا تظهر في زخارفه الداخلية موضوعات مسيحية أقدم من هويته الأرثوذكسية الحالية. وتنسب هيئة السياحة في براغ رسوم القباب والداخل إلى يان آدم شوبف، وأعمال الزخرفة الجصية إلى ميكيليه إغناتسيو بالياردي.
في 1933 خُصّص المبنى للكنيسة الأرثوذكسية التشيكية، وفي 28 سبتمبر 1935 كُرّس باسم القديسين كيرلس وميثوديوس. ومن العلامات البصرية المهمة في داخله «الإيقونسطاس»، وهو حاجز الأيقونات الذي يفصل منطقة المذبح عن مساحة المصلين في التقليد الأرثوذكسي. ذلك الترتيب يفسّر اجتماع الفن الباروكي بعناصر العبادة الأرثوذكسية في مبنى واحد.
ومن هما كيرلس وميثوديوس؟
الاسمان لا يشيران إلى شخصيتين شاركتا في أحداث 1942، بل إلى أخوين من القرن التاسع ارتبطت رسالتهما إلى مورافيا الكبرى عام 863 بتراث اللغة السلافية والعبادة والتعليم. ويُنظر إليهما اليوم بوصفهما حلقة مهمة في التاريخ الثقافي والديني لأوروبا الوسطى والشرقية. إعادة تسمية الكنيسة في القرن العشرين وصلَت المبنى بهذا الإرث السلافي الأوسع، قبل أن تضيف الحرب العالمية الثانية إليه معنى تاريخيًا آخر.
عملية أنثروبويد: كيف وصلت المواجهة إلى السرداب؟
بدأت القصة خارج الكاتدرائية. في ظل الاحتلال النازي لبوهيميا ومورافيا، خططت قيادة المقاومة التشيكوسلوفاكية في المنفى، من بريطانيا، لعملية حملت الاسم السري Anthropoid — أنثروبويد ضد راينهارد هايدريش، أحد كبار قادة النظام النازي والمسؤولين عن قمع المقاومة. تلقى الجنديان يوزف غابتشيك (Josef Gabčík) ويان كوبيش (Jan Kubiš) تدريبهما للمهمة، ونُفّذ الهجوم في براغ يوم 27 مايو 1942. أصيب هايدريش وتوفي متأثرًا بجراحه يوم 4 يونيو.
بعد الهجوم فرضت سلطات الاحتلال إجراءات قمعية واسعة. وصار تأمين مأوى للمشاركين ولعناصر مظلية من مهمات أخرى أمرًا بالغ الخطورة. بمساعدة شبكة مدنية ورجال من الكنيسة الأرثوذكسية، استقر سبعة مقاتلين تدريجيًا في الكنيسة وسردابها، وظلوا مختبئين إلى صباح 18 يونيو؛ ويصف المعهد التاريخي العسكري مدة وجودهم هناك بأنها 21 ليلة.
سبعة مدافعين، لا سبعة منفذين للهجوم المباشر
هذه نقطة كثيرًا ما تُختصر خطأً: الهجوم المباشر على هايدريش نفذه غابتشيك وكوبيش، لكن الذين قاتلوا في الكنيسة عند اكتشاف المخبأ كانوا سبعة من وحدات مظلية تشيكوسلوفاكية مختلفة. أسماؤهم: يان كوبيش، يوزف غابتشيك، أدولف أوبالكا (Adolf Opálka)، يوزف بوبليك (Josef Bublík)، ياروسلاف شفارتس (Jaroslav Švarc)، يان هروبي (Jan Hrubý)، ويوزف فالتشيك (Josef Valčík). لذلك يُخلِّد النصب مجموعة أوسع من منفذي هجوم مايو وحده.
هل كشف الخائن موقع السرداب مباشرة؟
في 16 يونيو 1942 سلّم المظلي كاريل تشوردا (Karel Čurda) معلومات إلى الغيستابو عن رفاقه وشبكة مساعديهم. لكن رواية وزارة الدفاع التشيكية تميّز بين كشف الأسماء وشبكة العلاقات وبين معرفة المخبأ نفسه: فقد قادت الاعتقالات والتحقيقات العنيفة اللاحقة إلى الوصول للكاتدرائية. هذا الفارق يفسّر كيف انقلبت شبكة إنقاذ سرية إلى سلسلة من عمليات الملاحقة والاعتقال.
18 يونيو 1942: المعركة في الكنيسة ثم تحت الأرض
مع فجر ذلك اليوم طوقت قوات من وحدات الإس إس والغيستابو المبنى. وفق السرد التاريخي لوزارة الدفاع، قاوم أدولف أوبالكا ويان كوبيش ويوزف بوبليك من الجزء العلوي للكنيسة، بينما بقي غابتشيك وفالتشيك وشفارتس وهروبي في السرداب. دارت اشتباكات عنيفة في الداخل، وأصيب المدافعون في الأعلى إصابات قاتلة؛ وتوفي بعضهم بعد نقله من الموقع، وليس صحيحًا أن السبعة ماتوا بالطريقة نفسها.
ثم تحولت المواجهة إلى القبو. حاول المهاجمون الضغط على الرجال عبر فتحة التهوية المطلة على الشارع، واستخدموا القنابل والدخان وحاولوا ضخ الماء إلى السرداب لإجبارهم على الاستسلام. واستمرت المقاومة حتى نفدت فرص النجاة والذخيرة؛ وانتهت المعركة بموت الأربعة في القبو، كما توفي الثلاثة الآخرون متأثرين بإصابات المعركة. لهذا تُعد فتحة التهوية الصغيرة، التي قد تمر بها دون أن تنتبه، واحدة من أهم تفاصيل الزيارة.
ولفهم عدم التكافؤ: تشير سجلات وزارة الدفاع التشيكية إلى مشاركة مئات من أفراد القوات الألمانية في تطويق الموقع والاقتحام. لكن الأهم من عدد المهاجمين وحده هو أن الرجال السبعة كانوا معزولين، بلا ممر خروج آمن، في مواجهة جهاز احتلال يملك القوة والوقت وشبكة اعتقالات واسعة.
القصة التي تتجاوز المقاتلين السبعة: رجال الدين والعائلات
الكاتدرائية لم تكن مخبأ مجهول الأصحاب. شارك في مساعدة الرجال أشخاص من المجتمع الكنسي، بينهم القسيس فلاديمير بيترجيك (Vladimír Petřek) والكاهن ألويْس تشيكل (Alois Čikl) وشخصيات أخرى من شبكة الدعم. كما أُبلغ الأسقف الأرثوذكسي غورازد (Gorazd) بوجود المقاتلين، وسعى إلى تدبير نقلهم. عقب كشف المكان تعرّض رجال الدين والمساعدون للاعتقال والإعدام؛ وأُعدم الأسقف غورازد يوم 4 سبتمبر 1942.
واتسع الانتقام النازي إلى ما هو أبعد من ريسلوفا. جرى تدمير قريتي ليديتسه (Lidice) وليجاكي (Ležáky)، وتعرضت عائلات عديدة للقتل والترحيل. وفي 24 أكتوبر 1942 أُعدم 262 من أفراد المقاومة وأقارب المظليين ومساعديهم في معسكر ماوتهاوزن. لا تُفهم أهمية النصب التذكاري كاملة إذا اقتُصرت الحكاية على اشتباك عسكري في سرداب؛ إنه أيضًا مكان لتذكّر الثمن الذي دفعه المدنيون.
كيف تحوّل الموقع إلى نصب وطني؟
بعد الحرب رُمّمت الكنيسة وفُتح السرداب للزيارة، ووُضعت لوحة تخليد في الموقع عام 1947. وفي 1995 تأسس النصب التذكاري الذي أصبح معروفًا باسم «النصب الوطني لأبطال مقاومة إرهاب هايدريش». وتولى المعهد التاريخي العسكري في براغ (VHÚ Praha) إدارته عام 2017، بينما تعود ملكية النصب إلى بلدية العاصمة براغ. أما العرض الدائم الحالي فقد افتُتح بصيغته الجديدة عام 2022، في الذكرى الثمانين للمعركة.
تزداد قيمة المعرض الحالي لأنه لا يكتفي بصور الجنود؛ بل يصل بين اتفاق ميونيخ، وقيام محمية بوهيميا ومورافيا، وحكم هايدريش، والاستعداد للعملية ونتائجها، مع مساحة لتاريخ حركة سوكول المقاومة ودور الكنيسة الأرثوذكسية. اللوحات باللغتين التشيكية والإنجليزية، وهي نقطة مفيدة للزائر العربي الذي لا يتحدث التشيكية.
كيف تخطط لزيارتك من دون الخلط بين الكنيسة والمتحف؟
السرداب والمعرض التذكاري: يفتحان طوال العام من الثلاثاء إلى الأحد، 9:00–17:00، ويكون آخر دخول عند 16:30، ويُغلقان يوم الاثنين. الدخول مجاني. هذه المواعيد ورسوم الدخول معلنة من المعهد التاريخي العسكري المسؤول عن النصب.
فضاء الكاتدرائية الديني: تعرض هيئة السياحة الرسمية في براغ ساعات 8:00–17:00 من الثلاثاء إلى الأحد بين سبتمبر ويونيو؛ وفي يوليو وأغسطس من الثلاثاء إلى السبت 8:00–17:00، والأحد 8:00–14:00، مع إغلاق الاثنين. تُقام شعائر أرثوذكسية منتظمة، منها قداس الأحد المعتاد عند 9:30. وقد تتغير إمكانات التجول السياحي بسبب الصلاة أو المناسبات الكنسية؛ لذلك لا تعامل ساعات الكنيسة باعتبارها تصريحًا مفتوحًا للتجول أثناء كل شعيرة.
كيف تصل إلى الكاتدرائية في براغ؟
العنوان: Resslova 9a, 120 00 Praha 2 – Nové Město. تقع الكاتدرائية في المدينة الجديدة (Nové Město)، بالقرب من ساحة كارلوفو نامييستي (Karlovo náměstí). أقرب خيار واضح بالمواصلات العامة هو مترو الخط B، محطة Karlovo náměstí؛ كما تخدم المنطقة ترام ساحة Karlovo náměstí، ويمكن الوصول من جهة Jiráskovo náměstí أيضًا. اختَر مخرج المحطة واتجاه المشي على الخريطة قبل الانطلاق، وراجع تغييرات خطوط الترام في تطبيق النقل أو موقع PID.
زيارة أكثر معنى: ترتيب مقترح ومدتها
لمن يريد فهم المكان لا المرور عليه سريعًا، نقترح تخصيص 45 إلى 75 دقيقة تقريبًا للمعرض والسرداب والتوقف عند الواجهة الخارجية؛ وهذه مدة إرشادية وليست زمنًا مفروضًا من الجهة المشغلة. إذا كان المكان مزدحمًا أو رغبت في قراءة جميع المواد، فامنحه وقتًا أطول.
- ابدأ من الرصيف بمحاذاة المبنى: ابحث عن لوحة التذكار ونافذة السرداب وآثار إطلاق النار. سيساعدك ذلك في فهم ما ستراه لاحقًا تحت الأرض.
- اقرأ معرض التاريخ قبل دخول السرداب: تعرّف إلى العملية وأسماء من تعاونوا في إخفاء المقاتلين، حتى لا تتحول الزيارة إلى مشهد مؤثر بلا سياق.
- ادخل السرداب بوصفه مكانًا للتأمل والذكرى، ثم خصّص وقتًا لرؤية عمارة الكنيسة من الداخل إذا كان الدخول الديني متاحًا ومناسبًا لذلك اليوم.
المكان مناسب بصورة خاصة لمحبي التاريخ المعاصر والعمارة والتجارب الثقافية التي تتجاوز معالم براغ الشهيرة. لكنه يتناول القمع والإعدامات والحرب؛ لذا ينبغي تهيئة الأطفال أو من يتأثرون بسهولة بموضوعات العنف قبل الزيارة. ولمن يحتاج إلى معلومات موثوقة عن الوصول دون درجات أو تسهيلات الحركة، يُفضَّل الاستفسار مباشرة من إدارة النصب قبل الذهاب بدل افتراض أن السرداب التاريخي مهيأ لكل الاحتياجات.
في النهاية لا تقدم الكاتدرائية رواية مريحة أو انتصارًا سهلًا. أهميتها أنها تتيح رؤية تاريخ بلد من خلال التفاصيل الصغيرة: نافذة على مستوى الشارع، سرداب اختبأ فيه سبعة رجال، وأسماء مدنيين ورجال دين لم يكونوا جزءًا من الهجوم لكنهم خاطروا بحياتهم لمساعدة من نفذه. هذا ما يجعلها محطة مختلفة في رحلة براغ التاريخية.
حقوق الصور: واجهة الكاتدرائية: Ludek / Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 3.0. السرداب: Ondřej Žváček / Wikimedia Commons، بترخيص CC BY 4.0.


