بحث وفد إماراتي ضم 24 ممثلًا لجامعات وشركات أغذية ومؤسسات صناعية، خلال زيارة إلى براغ نظمتها وزارة الاقتصاد والسياحة، فرص التعاون مع جهات تشيكية في الأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعية والبحث والتطوير. وشاركت في الزيارة الدكتورة مارية حنيف القاسم، الوكيل المساعد لقطاع السياسات والدراسات الاقتصادية بالوزارة. وتمحورت اللقاءات حول تحويل المعرفة العلمية إلى تطبيقات إنتاجية وشراكات بين القطاعين الأكاديمي والخاص.

لم تقتصر الزيارة على محادثات حكومية؛ فقد جمعت ثلاث حلقات من منظومة الابتكار التشيكية: جامعة متخصصة في علوم الزراعة والغذاء، ومعهدًا للأبحاث التطبيقية، وشركة تطور تقنيات البروتين المستزرع. وتزامن هذا المسار مع لقاءات أعمال تناولت فرص التوريد والتصنيع والاستثمار، من دون أن تتضمن التفاصيل المعلنة عن الجولة اتفاقيات موقعة أو قيمًا استثمارية محددة.

ثلاث محطات بحثية وصناعية في براغ

في الجامعة التشيكية لعلوم الحياة في براغ (Czech University of Life Sciences Prague)، تركزت المباحثات على الزراعة القادرة على التكيف مع التغير المناخي، والإنتاج المستدام، وتبادل الخبرات بين الجامعات والمؤسسات المعنية بالأمن الغذائي. وتدير الجامعة برامج متخصصة في الزراعة والأغذية والموارد الطبيعية، بينها برنامج للزراعة المستدامة والأمن الغذائي؛ وهو ما يوضح الصلة المباشرة بين تخصصها وأولويات الوفد.

أما معهد أسس العمليات الكيميائية التابع للأكاديمية التشيكية للعلوم (Institute of Chemical Process Fundamentals)، فكان محور النقاش فيه تقنيات الإنتاج الغذائي المستدام، والطحالب الدقيقة، وتقليل الفاقد، وإعادة استخدام الموارد ضمن الاقتصاد الدائري. ويضم المعهد مجموعة بحثية تعمل على التكنولوجيا الحيوية للطحالب والكائنات الدقيقة، بما فيها تطوير عمليات الاستزراع والمفاعلات الضوئية وتوسيع نطاقها؛ وهي قدرات قد تكون ذات صلة بحلول غذائية وبيئية مشتركة.

وشملت الجولة شركة Bene Meat Technologies في براغ، التي تطور أنظمة إنتاج اللحوم المستزرعة من الخلايا الحيوانية. وركزت الزيارة، وفق المعلومات المعلنة، على فهم التكنولوجيا وإمكانات تبادل الخبرة والتعاون في البحث والتطوير، لا على إعلان اعتماد منتج أو تشغيل منشأة مشتركة.

ما الفرص التجارية التي حُددت على الجانب التشيكي؟

تضيف الوثائق الصادرة عن وزارة الزراعة التشيكية بُعدًا عمليًا إلى الخبر. فقد أعلنت الوزارة، بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والسفارة التشيكية في أبوظبي، ترتيب طاولة أعمال إماراتية تشيكية في براغ يوم 23 أكتوبر 2026، خُصصت للتصنيع الغذائي والمعدات الزراعية والتكنولوجيا والبحث والابتكار. وذكر الإعلان السابق للاجتماع شركات إماراتية كان متوقعًا تمثيلها، منها أغذية (Agthia)، وغذاء القابضة (Ghitha)، وGrand Mills، وWalq Food Industries، وRoyal Horizon Holding؛ ولا يُعد الإعلان المسبق إثباتًا لحضور كل شركة أو توقيعها اتفاقًا.

وحددت الدعوة التشيكية احتياجات قابلة للتحول إلى مفاوضات تجارية، أبرزها خطوط التعبئة والتغليف وأتمتة المصانع، والتواصل المباشر مع موردي القمح والذرة واللفت الزيتي والكمون والسكر والحليب المجفف، فضلًا عن التصنيع التعاقدي للعلامات الخاصة (Private Label وWhite Label). وتمثل هذه التفاصيل فرقًا مهمًا بين الحديث العام عن «التعاون الغذائي» وبين فرص يمكن للشركات اختبار تكلفتها ومواصفاتها وقدرتها على التوريد.

وبالنسبة للمصنعين التشيكيين، تفتح هذه المسارات احتمال الوصول إلى مشترين وشركاء تصنيع وتوزيع في الإمارات؛ أما الشركات الإماراتية فقد تستفيد من تنويع الموردين أو اختبار تقنيات إنتاج جديدة. غير أن الانتقال من الاهتمام إلى العقود يتوقف على الجدوى التجارية، ومتطلبات الجودة وسلامة الغذاء، وقدرة الموردين على الوفاء بالمواصفات والكميات والمواعيد.

اللحوم المستزرعة: لماذا يجب التمييز بين التقنية وتصريح التسويق؟

تستحق محطة Bene Meat Technologies توضيحًا خاصًا. فاللحوم المستزرعة تُنتج بتنمية خلايا حيوانية في بيئة مضبوطة بدل تربية الحيوان كاملًا للوصول إلى النسيج المطلوب. وتعرض الشركة تقنيتها بوصفها منصة للمصنّعين، تشمل تطوير الخلايا وعمليات الاستزراع والتوسع الصناعي، بدل الاقتصار على تصنيع منتج استهلاكي نهائي.

لكن تسجيل الشركة لإنتاج خلايا مستزرعة كمكوّن في أغذية الحيوانات الأليفة داخل الاتحاد الأوروبي لا يعني حصول اللحوم المستزرعة المخصصة للاستهلاك البشري على تصريح تسويق مماثل، ولا يعني السماح تلقائيًا ببيعها في الإمارات. ولذلك فإن أي شراكة مستقبلية في البروتينات البديلة تحتاج إلى فصل التطوير البحثي عن متطلبات الترخيص التجاري وسلامة الغذاء في السوق المستهدفة.

امتداد لمسار اقتصادي انطلق قبل الزيارة

لا تبدأ هذه المحادثات من نقطة الصفر. ففي يونيو 2024 عقدت الإمارات والتشيك في براغ الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية المشتركة، وشملت أولوياته الزراعة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والابتكار، إلى جانب ملفات اقتصادية أخرى. وتضيف زيارة أكتوبر 2026 لقاءات أكثر تخصصًا بين الباحثين والمصنعين والمستثمرين إلى هذا المسار المؤسسي.

وهذا التدرج مهم لقطاع الأعمال: فوجود إطار للحوار الحكومي يساعد على فتح القنوات، لكنه لا يعوض الاتفاق على مشروع محدد، أو حماية الملكية الفكرية، أو اعتماد المنتج، أو تنظيم الشحن والتوريد. ويظهر وزن الزيارة الحقيقي حين تتحول جهات الاتصال والموضوعات البحثية إلى خطط اختبار أو تعاون صناعي قابل للقياس.

ما الذي سيحدد نتائج زيارة براغ؟

توجد ثلاثة مسارات يمكن مراقبتها بعد الاجتماعات: مشروعات بحث تطبيقي تربط الجامعات بالمصانع؛ واتفاقيات تقنية أو تصنيع مشترك في المعالجة والطحالب والمنتجات الغذائية؛ وعلاقات توريد وتوزيع للمكونات والسلع والمنتجات النهائية. وهذه مسارات محتملة تستند إلى الموضوعات المطروحة، وليست اتفاقيات مُنجزة أو التزامات استثمارية معلنة.

حتى تاريخ النشر، لا تتضمن المعلومات العلنية التي استند إليها هذا الخبر تفاصيل عن قيمة صفقات ناتجة عن الزيارة أو مواعيد لتنفيذ مشروعات مشتركة. ولذلك يبقى المعيار الأوضح لقياس أثرها هو ظهور شركاء محددين، وتجارب تقنية أو عقود توريد قابلة للتحقق، بدل الاكتفاء بعدد اللقاءات أو اتساع قائمة القطاعات التي نوقشت.